عبد الملك الجويني
519
نهاية المطلب في دراية المذهب
ومن قال بالوجه الثاني احتج بتبعيض الاستيلاد ، وانفصل عن وطء الجارية بالشبهة ، وقال : لا معترض على الشرع في تنزيل الظن منزلة الحقيقة ، ثم إذا تمهد هذا ، فالظن متعلّق بجميع الجارية ، والأمر متبعضٌ في مسألتنا ، والشبهة من الملك تؤخذ عمن هو ( 1 ) متبعض ، فإذا زال الظن ، ووقع وطؤه في ملكه وملكِ غيره ، وجب تبعّض الولد في الحرية والملك . وقد ذكر أصحابنا وجهين في أن الإمام إذا أراد أن يُرِق النصفَ من الأسير ، ويُبقي نصفَه على الحرية ، فهل له ذلك ؟ وجهان : أحدهما - له ذلك ، وهو القياس ، والثاني - ليس له ذلك ؛ فإن الرأي في الإرقاق وغيرِه في الخلال لا يكاد يتبعّض ، وليس هذا خِيَرةً من الإمام ، فلا وجه إلا الإرقاق ، أو التعلّق بجهةٍ أخرى من الجهات . وسئل القاضي عن وطء امرأة نصفها حرٌّ ، ونصفها رقيق في نكاح أو زنا ، فالولد الذي تأتي به كيف حكمه في الحرية والرق ؟ فقال : يمكن أن يخرج ذلك على الوجهين في ولد الجارية المشتركة من الشريك المعسر ، ثم استقر جوابه بعد أيام على أن الولد بمثابة الأم ، تعلّقاً بقول الشافعي : " ولد كل ذات رحمٍ بمثابتها " . ومعنى هذا الكلام أن حكم الولد إذا كان يؤخذ من ذوات الرّحم ، فولدها بمثابتها ، وليس هذا كالجارية المشتركة ؛ فإن [ الشركة ] ( 2 ) قد تُظن شبهة عامة في الجارية ، وهاهنا لا مجال لتقدير الشبهات ، فإن الزوج إذا وطئ زوجته لم تأت حرية الولد إلا منها ، فيجب القطع بما استقر عليه جوابه . 11411 - فإن قيل : هذا الذي ذكرتموه في الولد إذا ضُم إلى ما قدّمتموه فيه إذا كان المستولد موسراً ، ينشأ منهما تناقض . وذلك أنكم قطعتم أن الولد حرٌّ بجملته ، وذكرتم قولاً أن الاستيلاد لا ينفذ أصلاً إذا قلنا : لا ملك له . أو قلنا : يثبت الملك ولكنه ضعيف ، بقي الاستيلاد لا أصل له ، كما أن نَفْيَ الملك لا أصل له ، فلا يؤاخذ بما لا حقيقة له .
--> ( 1 ) كذا قرأناها بصعوبة . ( 2 ) في الأصل : " المشتركة " .